




من قريةٍ صغيرة تتفيأ ظلال جبال السراة، خرج طفلٌ يحمل في صوته رائحة التراب بعد المطر، ويخطّ الحروف كما ترسم الطيور مسارها في السماء. ذلك الطفل هو عبدالواحد، الذي شبَّ على حب الكلمة، وكبر في حضن الطبيعة الجنوبية، حيث صارت الجبال معجمه الأول، والوديان قاموسه الذي لا ينتهي.
لم تكن بداياته عادية؛ فقد كان الشعر بالنسبة له وطنًا آخر، ينتمي إليه كما ينتمي إلى قريته وأهله. وفي وقتٍ كان أقرانه يلعبون، كان هو ينصت لأصوات القصائد في المجالس، ويحفظ نبرات والده الشاعر سعود بن سحبان، الذي شكّل أول بذرة إلهام في قلبه. هكذا وُلد الشاعر، وهكذا بدأ سادن الحرف رحلته.
ومع أن الشعر كان طريقه الأول، إلا أن أبواب العلم فُتحت له واسعة. حصل على درجة البكالوريوس من كلية المعلمين بالطائف عام 1993، ثم واصل طريقه حتى نال الماجستير في الإدارة التربوية والتخطيط من جامعة أم القرى عام 2004، ليكمل رحلته الأكاديمية بنيل الدكتوراه عام 2010 بامتياز من ذات الجامعة. هناك، بين القاعات والمكتبات، صار معلمًا ومربيًا وأستاذًا جامعيًا، يجمع بين القصيدة والمنهج، وبين الإلقاء في الساحات والإلقاء في قاعات الدرس.
عمل في بداية حياته مدرسًا لمادة الرياضيات، قبل أن يتنقل بين مناصب تعليمية مختلفة، منها وكيل إدارة التعليم بالعاصمة المقدسة، ومدير التعليم الخاص والأجنبي في جدة. وفي النهاية استقر به المقام محاضرًا بجامعة الباحة، حيث أضحى مرجعًا علميًا ومربيًا لأجيال جديدة من الطلبة.
لكن الشعر لم يغب يومًا عن قلبه. فقد واصل كتابة القصائد التي جعلت منه “شاعر الجنوب الأول”، وصوت العرضة الذي لا يشيخ. قصائده تنوعت بين الوطنية والاجتماعية والوجدانية، ومن أشهرها: بنات الرياض، الميزانية، القضاة، طريق الجنوب، أبو علي، ملكة الجن. وفي عام 2004 أصدر ديوانه الأول الذي رسّخ مكانته في ذاكرة الشعر المعاصر.
لم يكن مجرد شاعر، بل كان ظاهرة. أحبّه الجمهور لأنه صادق، وهابه الخصوم لأنه جريء. وقف في الساحات شامخًا، يطلق الأبيات كما تطلق الجبال صدى الرعود. وفي الإعلام، ظهر في لقاءات تلفزيونية وإذاعية، كان أبرزها ظهوره في برنامج “فنون شعبية” عام 1417هـ، ولقاءاته الأخيرة في بودكاست “ذا قال” من ثمانية، حيث كشف عن رحلته، عن صراعاته، عن علاقته بوالده، وعن اعتزاله المؤقت للشعر ثم عودته.
نال العديد من الجوائز والتكريمات، والتقى شخصيات وطنية بارزة، كان من بينهم أمراء ومسؤولون، ممن عرفوا قدر الكلمة حين تصدر من شاعر صادق وأستاذٍ متمكّن.
اليوم، يقف عبدالواحد بن سعود الزهراني كشجرة باسقة، جذورها في الجنوب، وفروعها في فضاءات الأدب والتعليم. هو الشاعر والأكاديمي، الفقيه في الكلمة، والحارس لبوابة الهوية. يكتب ليُخلّد، ويعلّم ليبقى أثره ممتدًا، ولأنه يؤمن أن الشعر لا ينتهي… بل يولد من جديد في كل قارئ وسامع.




All therapists are licensed, accredited professionals. All you share is confidential.
People found online therapy to as effective or more effective than traditional therapy.
Starting from €45, we have introduced a new 30 minute Covid19 mental health check.
Talk to our Coordinator
Mon – Fri: 5am – 7pm
Saturday: 8am – 5pm

