حين يفقد الناس عالمًا، يُكتب الرثاء، لكن حين تفقد الأمة ابن باز، يُكتب التاريخ بالحروف الدامعة.
في قصيدته «يا تراب أم القرى»، يرثي أ.د عبدالواحد بن سعود الزهراني أحد أعظم رموز الدعوة والعلم في القرن الهجري الأخير، بأسلوبٍ يزاوج بين حرارة الفقد وعمق الإيمان.
يستهل الزهراني قصيدته بنداءٍ لمكة المكرمة – أم القرى – مخاطبًا ترابها الذي احتضن الجسد الطاهر، كأنه يخاطب الأرض نيابةً عن السماء، في لغةٍ تفيض وفاءً ودهشة.
ويأتي الرد من الشاعر نفسه ليكمل المشهد بإجلالٍ بالغ للإمام، جامعًا بين الحكمة والعاطفة، والعقيدة والحنين.
البدع
يا تـراب أم القرى يهناك هذا العام ما ظميـــــت
أي والله لـو كـان تعلم من تظم ومن وصلك وزارك
كـان غصبـاً عنك تنبت بالذهب واللـول والكافــور
مـات لا ما مـات لا لا مات بين مكذب ومصـــدق
كـان هـذا موجـز الاخبـار لكـن الموكـد مــات
افتقدنـا حصـن وتهـدم من أركـان الولاية ركنــا
افتقدنـا بـرزخ الما لين فـاض الملح واشتــــرك
يابقيـة من بقايـا الصالحيـن المصطفى واصحابـه
ياكتـاب الله وياسنـة نبيـه فـي ثيـاب انســـان
كنت تبصر فوق ما نبصر وحن بعيوننا وانت اعمـى
كنت تقدر ترجع الفي عام تسبقنا بميت عــــــام
وش نجفف به دموع العين وش نمسح به الاجفانــا
وش نقل لاكبادنا وش نعتذر به من قلوبنا
الرد
يا سحاب لو بيدك كرم بن باز ما ظميـــت
الله يا بن باز يغفر زلتك ويحط عنــك اوزارك
اهتدى من هديك اللي كان غافل واسلم الكافور
ما نزكي حد على الله غير كنت مزكي ومصدق
كمت سيف للطعان وخنجر للجرح والكدمـات
ما نزكي حد على الله غير كنت مزكي يتركنا
كمت سيف للطعان وخنجر للجرح وش ترك
ما نزكي حد على الله غير كنت مزكي اصحابه
كمت سيف للطعان وخنجر للجرح انسان
ودنا لو تسنح القرصة ويشقى كل من ينتع مـا
ودنا لو توضح الصورة ويبصر كل من يتعـام
يارجال في زمان كل ما نمزح معه يجفانـــا
ساعدونا نهجر الدنيا الدنيه من قلوبنا
الأبعاد الفكرية
رؤية روحية في الرثاء:
لا يرثي الشاعر شخصًا فحسب، بل يرثي مرحلة من النور، فيقول: «يا كتاب الله ويا سنة نبيه في ثياب إنسان» — بيت يلخّص مكانة ابن باز كرمزٍ يمشي على الأرض يمثل العلم والورع.
لغة الحزن المقدس:
القصيدة تبدأ بنداء للأرض – “تراب أم القرى” – لتجعل المكان شاهدًا على الفقد.
المشهد يختلط فيه الحزن بالتقديس، والعاطفة بالعقيدة، في تجلٍّ بلاغيٍّ رفيع.
الحضور الفكري والعقدي:
في الرد، يؤكد الزهراني أن ابن باز لم يكن مجرد عالم، بل “سيف للطعن وخنجر للجراح”، أي أنه جاهد بالكلمة والدعوة، وحمل الدين بصلابة الرجال الصادقين.
الصدق الوجداني:
يظهر في الأبيات الأخيرة صوت الإنسان أكثر من صوت الشاعر، حين يقول: «وش نجفف به دموع العين وش نمسح به الأجفانا» — صورة صادقة لليتم الروحي الذي تركه الفقد.
الإشارة إلى الزمن المفقود:
يقول الشاعر: «كنت تقدر ترجع الفي عام تسبقنا بميت عام» — وهي استعارة ترمز إلى أن علم ابن باز تجاوز عصره، وكأن الزمان نفسه عاجز عن مجاراته.





