في قصيدة «الرقص»، يقدّم أ.د عبدالواحد بن سعود الزهراني واحدة من أكثر نصوصه رمزيةً وعمقًا، حيث يزاوج بين جمال الطبيعة وقيم الرجولة، وبين الرعد والبرق من جهة، والسيف والكرامة من جهةٍ أخرى.
يبدأ النص بحديثٍ عن الزمان الجميل الذي كانت فيه الطبيعة تنبض بالحياة، ثم يختتم بردٍّ فلسفي يفرّق فيه بين الرقص الذي يُبهج القلوب، والرقص الذي يُهين المواقف.
إنها قصيدة تتجاوز ظاهرها لتقول: “ليس كل رقص فرح، فبعض الرقص مواقف على صفيح الشجاعة.”
البدع
لزمان الذي ما ينطق الرعد والبرق صعيـــــب
الله يسقي زمان الخير كم خاطر طاب ورقب لـــه
ماهو وقت طوى بي ديرة الخوف وطوى بي رمـال
الحلال أقصدوابه ديرة الشرق والبر أقصدوا بـــه
في المسا يرعد الراعد وتتلامع البرق صبــــاح
في ديار تجيك الرعد أشكال والبرق صنوفــــي
من غيوم تحوش ومن سيول تقوش البر قـــوش
يا ضنيني لها كن السكاكين تطعن في جنابــــي
كل ما لاح نور البرق والا سمعت الدندنــــــه
الرد
كل قلب يحب الرقص لاكن بعض الرقص عيـــب
ود بعض العرب يرقص وهو يبصر الطابور قبلــه
كنه ما يبصر الا صف ثروات وطوابير مـــــال
يا سعود الليالي دوره أقبل زمان الرقص دوبـــه
خل شوفك بعيد ولا تقل لي زمان الرقص بــــاح
رقص بعض الخلايق نقص واما نحن بالرقص نوفي
رقصنا يوم جا الباشه وحيدر يقاتل بالرقــــوش
رقصنا بالرصاص وبالسيوف البريعة والجنابـــي
رقصت الموت ماهي رقصت أهل الطرب والدندنــه
الأبعاد الفكرية
رمزية الرعد والبرق:
في البدع، يربط الشاعر بين صوت الرعد ووميض البرق وبين نبض الرجولة القديمة، فيقول:
«الله يسقي زمان الخير كم خاطر طاب ورقب له»، وهو حنين إلى زمنٍ كانت فيه الطبيعة تشارك الإنسان بطولاته وصفاءه.
فالرعد هنا ليس مجرد ظاهرة، بل صوت الأرض حين تتكلم بالعزة.
من الحنين إلى النقد:
تنقلب القصيدة تدريجيًا من وصف الطبيعة إلى نقد الواقع المعاصر، إذ يتحول “الرقص” إلى رمزٍ للاستهتار والمظاهر، مقابل الرقص الحقيقي الذي يرمز إلى الفخر والإقدام في الميدان.
الفصل بين رقص الموقف ورقص الترف:
يقول الشاعر:
«كل قلب يحب الرقص لكن بعض الرقص عيب»،
ثم يوضّح الفرق بقوله:
«رقصنا يوم جا الباشه وحيدر يقاتل بالرقوش» — أي أن الرقص عند الرجال هو رقصة النصر لا لهو الطرب.
هذا المقطع يعيد تعريف الفخر، فـ”الرقص” عنده سلوك وطني مشبع بالشجاعة.
البعد الاجتماعي والسياسي:
الزهراني ينتقد التحول الاجتماعي في بعض الفترات التي أصبحت فيها القيم مقلوبة — حيث يُكرَّم أصحاب الثراء ويُنسى أصحاب الفعل.
في قوله: «كنه ما يبصر إلا صف ثروات وطوابير مال» يعبّر عن رؤية ناقدة لحالة اللهاث وراء المادة.
البعد الفلسفي:
يختتم الشاعر فكرته بمقارنة بين الرقصين — “رقص الموت” و“رقص اللهو” — ليقول ببساطة:
الرقص الذي يهزّ الأرض من شجاعة، خير من رقصٍ يُهين كرامة الأمم.
الخاتمة
قصيدة «الرقص» ليست عن الحركة، بل عن المعنى.
هي درس في الرجولة والهوية، كتبه عبدالواحد الزهراني بلغةٍ تمزج بين الشعر والحكمة.
من الرعد إلى السيوف، ومن الدندنة إلى الرصاص، يثبت الشاعر أن الفخر لا يُغنّى… بل يُقاتَل من أجله.
“رقصنا بالرصاص وبالسيوف البريعة والجنابي،
رقصت الموت ماهي رقصت أهل الطرب والدندنة.”





