في قصيدة «ابن سحبان» يعيد الشاعر أ.د عبدالواحد بن سعود الزهراني إنتاج مشهدٍ إنسانيٍّ ربما تكرّر في ذاكرته أو في ذاكرة المجتمعات: فقيرٌ يُرمى في لُجّة الدهر، وتاجرٌ محمٍ لمكاسبه، وسوقٌ تُقيّم فيه الأشياء بموازينٍ مكسورة. القصيدة ليست مجرد وصفٍ لحالة مادية، بل هي تأمل وجداني في معنى العُيون التي تنام والأرواح التي تستيقظ على جوعٍ وذكرى، وفي خيانة الوعود وقدر الإنسان الذي يُقاس بمدى التزام الآخرين بأماناتهم. اللغة في النصّ نابضة بسلاسة نبطيّة تعبّر عن حزنٍ شخصيّ يتحوّل إلى مرآةٍ لوجدانٍ أوسع، حيث تتقاطع الذات والمجتمع في تساؤلات أخلاقية حادة.
ابـن سحبـان قـال
ابصـر عيـون البشـر متناومـات
ودي أثمــر أموالـي سـوات البشـر والقـا البضايـع
واقطـع الليـل واغشـى السيل واهل القوافل منيخــون
وانـا ماظـن بلقـــى هيبـة مثـل ميـلان التجـورا
الفقيـر أطلقـوه النـاس للـدهـر والتـاجـر حمــوه
خـل سـوق الرخـاصة مالنـا فيـه بيـع ولا مناخــي
خيـب الله موازيـن الرخـاصـة وخيـب كيلهـــــا
الرد
ليـت أخـي يذكرونـه النـاس بالخيـر اذا متنا ومـات
آنـي اسيـر وهوجـس بالافكـار واثـر القلب ضايــع
مـدري من عـاد يوفـي بالعهـود الوثـاق ومن يخـون
ما بــي الا تميـل شـد الايــام والدنيــا تجـــورا
لابـدا فتنـة حتـى الـذي يحمـل التــاج ارحمــوه
والله مـادام خيـري مـن عـدوي وتعبـاتي من آخـي
لا خـذ اللقمـه واعطيهـا عـدوي واخـي يبكـي لهـا
الأبعاد الفكرية والموضوعية
أزمة القيم والوفاء: القصيدة تفتح جرحًا قديمًا حول مسألة الوفاء بالعهد، وضرورة أن يبقى الإنسان في ذاكرة الناس بخيرٍ بعد موته، ما يضع معيارًا أخلاقيًا للقيّم الاجتماعية: من يذكرنا بالخير؟ ومن يخلّ بالعهد؟
الفقر والكرامة: يصف النص سوق الرخاصة كمكانٍ تُسقط فيه الكرامة أو تُقاس الأشياء بمعاييرٍ رخيصة. هذا التصوير يفضح آلية اقتصادية واجتماعية تُهمّش الضعفاء وتحمِي الأقوياء. الفقير «أُطلق للدهر» والتاجر «حمّوه»؛ فاصلة تقرأ الواقع بحسّ اجتماعي ناقد.
الزمن كقوة محايدة ومتحيّزة: يتكرر في النص تصوّر الأيام كقابلة للانقلاب: «اللي يحمـل التــاج ارحمــوه» و«ما بــي الا تميـل شد الأيام»، أي أن الزمن يوقظ الفتن ويعرّي المواقف. الشاعر يربط بين مصائر الناس وتقلبات التاريخ ودور الذاكرة الجماعية.
الصورة الشعرية والبلاغة النبطية: استخدمت القصيدة صورًا حسّية (الليل، السيل، القوافل، موازين الرخاصة) لتمثيل حالات معنوية: الخيانة، الغياب، الانكسار. اللغة النبطية تمنح النص نبرة مباشرة ومؤثرة، قريبة من خطاب الشعب والوجدان.
النداء الأخلاقي: تختتم المقطوعة بردٍّ يتضمن دعوة عملية: لا يكفي أن نتحدث عن العهود، بل يجب إعادة ترتيب الأولويات بحيث يُعطى الفقير حقه والجار لا يُسلّم للدهر. النداء ليس ثأرًا لكنه مطالبة بحسّ إنساني مبني على العطاء والعدالة.
الخاتمة
«ابن سحبان» قصيدة وجدانية تنقّب في عتمة السوق عن ضوءٍ بسيطٍ من عدلٍ وإنصاف. عبر مشاهد يومية وصورٍ صادقة، يوقظ الشاعر سؤالًا أخلاقيًا جوهريًا: كيف تقاس قيمة الإنسان في مجتمعٍ تبدلت فيه الموازين؟ يحنّ النص إلى زمن يُذكر فيه الناس بالخير ويُوفى بالعهود، ويحثّ على تجديد رابط الرحمة بين الناس بحيث لا يخرج الفقير «مطلقًا للدهر» ولا يبقى التاجر حصينًا دون حساب. في النهاية تظل القصيدة دعوة لإعادة قراءة القيم وإحياء الضمير الجمعي، بكلماتٍ بسيطةٍ لكنها تخترق القلب وتوقظ الوجدان.





